364

Al-Imām al-Biqāʿī wa-minhājuhu fī taʾwīl balāghat al-Qurʾān

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

وبعض أهل العم بالبيان يجعل النظر في التذكير والتأنيث من أبواب شجاعة العربية وضربا من ضروب الالتفات على نحو ما هو متعالم لناشئة طلاب العلم عند ابن جنى ومن بعده ابن الأثير في المثل السائر، فإذا ماكان المتأخرون من بلاغيي مدرسة المفتاح لايعنون كثيرا بهذا فليس ذلك آية على إغفال البلاغيين للتذكير والتأنيث.
والتذكير والتأنيث المتخيَّر في البيان القرآني ظاهر لكلِّ تالٍ ينادي عليه بتدبّره فإنَّ من تحته كنوزَ لطائفِ المعانى.
ترى ذلك في قول الله ﷾:
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (الزمر:١٩)
وقوله ﷿ (الزّمر: ٧١):
جاء الفعل (حق) مذكرًا على الرغم من إسناده إلى قوله (كلمة) وهو مؤنث غير حقيقي يجوز عربية فيه الأمران والغالب في لسان العامة تأنيث الفعل المسند إليه، فعدل في الآية عن ذلك الكثير الغالب لأمر يتناسب مع السياق والقصد ذلك لأنَّه " لما خصّ ﷾ البشارة بالمحسنين [من أول قوله:للذين أحسنوا ... أولئك هم أولو الألباب (ي:١٠-١٨)] علم أنَّ غيرهم قد حكم بشقاوته، وكان صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديرًا بالأسف على من أعرض
[﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفا﴾ ً (الكهف:٦) و﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:٣) ..

1 / 364