350

Al-Imām al-Biqāʿī wa-minhājuhu fī taʾwīl balāghat al-Qurʾān

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

" كل" أي كل واحد من الجبال والطير " له أوَّاب" أي رجَّاعٌ؛ لأجل "داود" ﵇ خاصة عن مألوفه، لابمعنى آخر مما ألفته، فكلَّما رجع هو عن حكمه، وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير
وجعل الخبر مفردًا [اي أواب] إشارة إلى أنها في الطواعية في التأديب قد بلغت الغاية حتى كأنَّها الشيء الواحد
ولم يجعل مؤنثًا إشارة إلى شدة زَجَلِهَا بالتأديب وعظمته، والإفراد - أيضًا - يفيد الحكم على كلِّ فردٍ، ولو جمع لطَرَقَهُ احتمال أن الحكم على المجمع بقيد المجموع، فكأنَّ داود ﵇ يفهم تسبيح الجبال والطير، وينقاد له كلّ منهما إذا أمره بالتسبيح، وكلّ من تحقق بحاله ساعده كلّ شيءٍ – قاله القشيري
ففى هذا إشارة إلى النبى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بأنَّا متى شئنا جعلنا قومك معك فى التسخير هكذا، فلا تيأس منهم على شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم، فإنَّا جعلناهم كذلك لتروِّض نفسك بهم وتزداد بالصبر عليهم جلالا، وعلوا ورفعة وكمالا إلى غير ذلك من الحكم التى لاتسعها العقول. ولاتيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك، فإنهم لايَعْدُونَ أن يكونوا كالجبال قوة وصلابة أو الطير نفرة وطيشا وخفة، فمتى شئنا جعاناهم لك مثل ماجعلنا الجبال والطير مع داود ﵇، بل أمرهم أيسر وشأنهم أهون" (١)

(١) – نظم الدرر: ١٦ /٣٥١ - ٣٥٤

1 / 350