345

Al-Imām al-Biqāʿī wa-minhājuhu fī taʾwīl balāghat al-Qurʾān

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

" ولما أخبر ﷾ أنه لابد من إيجاد ماوعد به من البعث وغيره، وحذر كل التحذير من التهاون بأمره، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذِّب، وكان السبب فى الضلال المميت للقلوب الهوى الذى يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه المظلم، فيحول بينه وبين النفوذ، وكان السبب فى السحاب المغطى السماء الأرض المحيى لميت الحبوب الهواءُ، وكان السبب الإتيان به فى وقت دون آخر دالًا على القدرة بالإختيار، قال عاطفا على جملة ﴿إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ المبنى على النظر، وهو الإخرج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به (والله) ... (الذى) ولما كان المراد الإيجاد من العدم عبر بالماضى مسندًا إليه، لأنَّه الفاعل الحقيقى، فقال: (أرسل الرياح) أى أوجدها من العدم مضطربة فيها، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لاثابته كالأرض، وأسكنها مابين الخافقين لصلاح مكان الأرض.
ولما كانت أثارتها تتجدد كلَّما أراد أن يسقىَ أرضًا، قال مسندا إلى الرياح؛ لأنَّها السبب، معبرا بالمضارع حكاية للحال، لتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على تمام القدرة.
وهكذا تفعل العرب فيما فيه غرابة للسامع على ذلك، وحثا له على تدبره وتصوره (فتثير) أى بتحريكه لها إذا أراد (سحابا) أى أنه أجرى ﷾ سنته أن تظهر حكمته بالتدريج، ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث وكان التعبير بالمضارع يَرُدُّ التَّعَنُّتَ عبر بالمضارع.
ولما كان سوق السحاب إلى بلد دون آخر وسقيه لمكان دون مكان من العظمة بمكان التفت عن الغيبة، وجعله فى مظهر العظمة، فقال (فسقناه) أى السحاب، معبرا بالماضى تنبيها على أن كلَّ سوق كان بعد إثارتها فى الماضى والمستقبل منه وحده أو بواسطة من إقامة لذلك من جنده من الملائكة أو غيرهم، لا من غيره، ودلَّ على أنَّه لافرق بين البعد والقرب بحرف الغاية، فقال (إلى بلدٍ ميّتٍ) .

1 / 345