326

Al-Imām al-Biqāʿī wa-minhājuhu fī taʾwīl balāghat al-Qurʾān

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

وفي هذا العدول منهم عن الكلمة التى اصطفاها النبي ﷺ إلى تلك الكلمة البغيضة إيماء إلى دعوتهم إلى العدول عما دعا إليه ﷺ إلى ما كان عليه أجدادهم، وهذا يصوِّرُ ما يَعْتلِجُ في صدورهم من النفاق، وقد صدق الله ﷾: ﴿.... فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٠)
فهذه الكلمة في سياق تثبيط المنافقين لعزائم المسلمين بالغة الأنس بمقامها، فهي الكلمة التى هي أخصُّ بذلك المعنى وأتمُّ له وأكشفُ عنه، وهي الفاضحة ما يجتهد المنافقون في كفره وستره
وفي ملاحظة "البقاعي" تلك الإشارة القرآنية نقضٌ ما يعيب به بعض المحدثين تراثنا أنَّ أصحابه في فقههم البيانيّ لايلاحظون مطابقة البيان الأحوال الداخلية التى تمر بها نفوس المتكلمين،، فيلتقطون الأسرار النفسية من بين ثنايا الأسرار اللغوية.
***
ويلمح " البقاعيُّ" في اصطفاء كلمة أخرى ما يكشف عن حقيقة عقول المنافقين في سياق السورة نفسها في قول الله ﷻ:
﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلآّ قَلِيلًا) (الأحزاب:٢٠)
جاء البيان بالفعل (يحسب) دون غيره من نحو " يظن "
لما بين الفعلين من فرق دلالي، ولما بين مدلول الفعل (يحسب) وسياقه هنا من تناسب جدِّ بديع، وهو في هذا يقول:..

1 / 326