بالمصلحة العامة أكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة (١).
مثاله: العالِم الذي يعتزل الناس خوفًا من الرياء والعجب وحبِّ الرياسة، وكذلك السلطان أو الولي العدل الذي يصلح لإقامة تلك الوظائف، والمجاهد إذا قعد عن الجهاد خوفًا من قصده طلب الدنيا به أو المحمدة، وكان ذلك الترك مؤديًا إلى الإخلال بهذه المصلحة العامة، فالقول هنا بتقديم مصلحة العموم على الخصوص أولى؛ لأنه لا سبيل لتعطيل مصالح الخلق ألبتة (٢).
والضابط الكُلِّيُّ الجامع في الموازنة بين المصالح المتعارضة في محلٍّ واحدٍ هو ترجيح أقوى المصلحتين وأعظمهما بحسب النظر إلى مقاصد الشرع لا من حيث أهواء النفوس.
القسم الثاني: الموازنة بين المفاسد المتعارضة
إذا تعارضت عدَّة مفاسدٍ في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر درؤها جميعًا، فإنه يُصَار للترجيح بينها بحسب ما يأتي:
- إذا كانت المفاسد المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كان بعضها يفوِّت ضروريًا، وبعضها يفوِّت حاجيًَّا، وبعضها يفوِّت تحسينيًا، فإنه يُقْدَم درء المفاسد التي يفوِّت الضروريات على المفاسد التي تفوِّت الحاجيات والتحسينيات، ويُقْدَم درء المفاسد التي تفوِّت الحاجيات على المفاسد التي تفوِت التحسينيات؛ لأن أعظم المفاسد ما يفوِّت الضروريات الخمس أو يُخِلُّ بها، ثم ما يفوِّت الحاجيات، ثم ما يفوِّت التحسينيات، فإذا تعارض بعضها في محلٍّ واحدٍ ولم يُمْكِن درؤهما جميعًا فإنه يدفع أعظمهما بارتكاب أدناهما (٣).
قال ابن القيم: " فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما،
(١) ينظر: الموافقات (٣/ ٩٢ - ٩٦)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (٢٧٩ - ٢٨١).
(٢) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (١/ ١١٦)، الموافقات (٣/ ٩٤).
(٣) ينظر: الموافقات (٢/ ٥١١)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (٢٩٠ - ٢٩١).