فالحُكْم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح؛ لأن ما يختلف بحسب العادات يتنزَّل الحُكْم عليه بحسب ... ذلك (١).
ومنها: ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها، كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجلِ كذا دون غيره، فالحُكْم أيضًا جارٍ على ذلك بحسب تلك العوائد (٢).
وتغيُّر الاجتهاد أو الفتوى ليس راجعًا إلى خطاب الشارع في ذاته؛ لأن الحُكْم الشرعي لا يتغيَّر متى كان المناط واحدًا في كلِّ صورة، وإنَّما يرجع التغيُّر هنا إلى اختلاف مناط الحُكْم، إما لاختلاف صورة المحكوم عليه، أو بسبب العوارض الطارئة عليه، فيكون داخلًا تحت أصلٍ شرعيٍّ آخر.
قال الشاطبي: " فاعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبديٌّ، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع على مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يُحُكْم به عليها " (٣).
ولما كانت الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وهي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، اشْتُرط في المجتهد أن يكون عارفًا بعادات الناس وأحوالهم، وإلا عاد اجتهاده على مقاصد الشريعة بالإبطال.
قال ابن القيم: " فهذا - أي: معرفة الناس - أصلٌ عظيمٌ يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يُطَبِّق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح .. " (٤).
(١) ينظر: المرجع السابق (٢/ ٤٨٩).
(٢) ينظر: المرجع السابق (٢/ ٤٩٠).
(٣) الموافقات: (٢/ ٤٩١).
(٤) إعلام الموقعين: (٦/ ١١٣).