وكذلك سائر تكليفاته " (١).
وذلك لأن تحقيق المناط من مستلزمات الامتثال لأحكام الشريعة؛ إذ لا يُتَصَوّر الامتثال بدون معرفة المكلَّف به، ومعرفةُ المكلَّف به منوطةٌ بإثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في ذلك الشيء، وهو الاجتهاد في تحقيق المناط (٢).
قال الشاطبي في بيان منزلة هذا الدليل: " وهو أوضح دليلٍ في المسألة" (٣).
الدليل الرابع: إن النبي ﷺ كان يراعي اختلاف الأحوال والأشخاص، وينزِّل الأحكام على كلِّ مكلَّفٍ بما يليق به، ويتحقَّق معه مقصود الشريعة في ذلك الحُكْم، وهذا يستلزم إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في محلٍّ ما، وهو تصرُّفٌ يدل على صحة اعتبار هذا النوع من الاجتهاد، ومن ذلك:
أولًا: سُئِل رسول الله ﷺ في أوقاتٍ مختلفةٍ عن أفضل الأعمال فأجاب بإجاباتٍ مختلفةٍ، كلُّ إجابةٍ لو حُمِلت على إطلاقها أو عمومها لاقتضى ذلك التضادَّ مع غيره في التفضيل، ولكن التفضيل لم يقع مطلقًا، إنما كان بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص (٤).
فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئِل: أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور" (٥).
وعن ابن مسعود (٦) ﵁ قال: " سأَلْتُ النبيَّ ﷺ أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيُّ؟ قال ثم ... بِرُّ الوالدين، قلت: ثم
(١) الموافقات: (٥/ ١٦ - ١٧).
(٢) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (٥/ ١٨).
(٣) الموافقات: (٥/ ١٧ - ١٨).
(٤) ينظر: الموافقات (٥/ ٢٧).
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم (٢٦)، وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم (٨٣).
(٦) هو: أبو عبدالرحمن عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي، صحابيٌّ جليل، يلقب بابن أم عبد، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان ملازمًا للرسول ﷺ في حِلّة وترحاله وغزواته، توفي بالمدينة سنة (٣٢ هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (٣/ ١٥٠ - ١٦١)، الإصابة (٦/ ٢١٤)، الإعلام للزركلي (٤/ ١٣٧).