وروينا عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أحَد العَشَرَةِ ﵃ قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ما رُئيَ الشَّيْطَانُ أصْغَر (١) ولا أحْقَرَ ولا أدْحَرَ ولا أغْيظَ منهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وما ذَاكَ إلا أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ فِيهِ فَيَتَجَاوزُ عن الذُّنُوبِ العِظَامِ" (٢).
وعن الْفَضيل بن عَيَّاض ﵁ أَنهُ نَظَرَ إلى بُكاء النَّاسِ بعرفة فقالَ: أرأيْتُمْ لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ صَارُوا إلى رجل واحد فَسَألُوهُ دَانِقًا (٣) أكانَ يَرُدُّهم؟ قِيلَ: لاَ، قالَ: والله للْمَغْفِرَةُ عند اللهِ ﷿ أهْونُ مِنْ إجَابةِ رَجُل بِدَانِق.
= (فإنْ قلت) المغفرة حاصلة على كل تقدير، فأي فائدة تعود على المغفور له؟ (قلت) كفى بما في هذا القرب المقضي لعدم الاحتياج لواسطة من مزيد المزية بشرفه وكمال المغفرة له. قال: (ومن مزاياه) أيضًا شرف الأعمال بشرف الأزمنة كالأمكنة وهو أفضل الأسبوع. (ومنها) أن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء بخلاف غيره (ومنها) موافقته ﷺ فإنه في حجة الوداع وقف فيه وإنما يختار الله له الأفضل.
(ومن مزاياه) أيضًا قوله ﷺ أفضل الأيام يوم عرفة فإن وافق الوقوف يوم جمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة. اهـ. قال في مفيد الأنام: وقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة للجبر: فإذا اجتمع فضل يوم الجمعة ويوم عرفة كان لهما مزية على سائر الأيام.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين فباطل لا أصل له انتهى والله أعلم.
(١) أصغر من الصغار أي الذل أو من صغر الجثة وأدحر بمهملات من الدحر وهو الدفع بعنف وشدة والطرد إهانة وإبعادًا. ومنه: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.
(٢) تتمة الحديث: إلا ما رئي يوم بدر. قيل: وما رئي يوم بدر؟ قيل أما إنه رأى جبريل يزع (يقود الملائكة) أي للجهاد ونصر المؤمنين.
(٣) أي سدس درهم وأنشد الفضيل رحمه الله تعالى بعد قوله:
وإني لأدعو الله أسأل عفوه ... وأعلم أن الله يعفو ويغفر
لأن أعظم الناس الذنوب فإنها ... وإنْ عظمت في رحمة الله تصغر