280

Al-ḥikma fīʾl-daʿwa ilā Allāh Taʿālā

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

Publisher

وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٣هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

البديع الذي لم يسبق إليه، وجلس عنده جماعة من الأعيان رؤوس دولته وأمراؤه، فقال لهم: هل بلغكم أن أحدًا بنى مثل هذا البناء؟ فقال له الجماعة: لم نرَ ولم نسمع بمثله، وجعل جميع من حضر يثنون على ذلك البناء ويمدحونه وأثنوا وبالغوا، ومنذر بن سعيد القاضي ساكت مطرق لا يتكلم. فالتفت إليه الملك وقال: ما تقول أنت يا أبا الحكم؟ فبكى القاضي وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: والله ما كنت أظن يا أمير المؤمنين أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولا أنك تمكِّنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله وفضَّلك به على كثير من الناس، حتى أنزلك منازل الكافرين والفاسقين. فقال له الخليفة: انظر ما تقول وكيف أنزلني منازل الكافرين؟ فقال: قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ - وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ - وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥] (١) فنكس الناصر رأسه طويلًا، وبكى، ثم قال: جزاك الله عنَّا خيرًا وعن المسلمين، وأكثر في المسلمين مثلك، الذي قلت هو الحق ثم قام عن المجلس وأمر بنقض سقف القبة، ونزع الذهب والجواهر (٢).
الله أكبر ما أحكمه من موقف نُزِعَ بسببه الذهب والجواهر، وغُيِّر به المنكر، وتأثر به الخليفة!.
وقد خطب منذر بن سعيد خطبة عظيمة في يوم الجمعة عندما حضر

(١) سورة الزخرف، الآيات ٣٣ - ٣٥.
(٢) انظر: الكامل لابن الأثير، ٧/ ٨٢، والبداية والنهاية، ١١/ ٢٨٨، وسير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٦٧ - ٢٦٨ و١٦/ ١٧٧.

1 / 302