Al-Fawākih al-Dawānī ʿalā Risālat Ibn Abī Zayd al-Qayrawānī
الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني
Publisher
دار الفكر
Edition
الأولى
Publication Year
1415 AH
Publisher Location
بيروت
Genres
•Maliki jurisprudence
Regions
•Egypt
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالسَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَذَلِكَ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ
وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي صَلَاة الْجُمُعَةَ]
(بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى أَشْهَرِ لُغَاتِهَا وَبِهِ قُرِئَ وَبِالسَّبْعِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ، وَلُغَةً رَابِعَةً بِكَسْرِ الْمِيمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِ أَجْزَاءِ آدَمَ فِي يَوْمِهَا، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي يَوْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا جُمُعَةً قُصَيٌّ فَإِنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا فِي يَوْمِهَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهَا فِي بَيَاضَةَ لَمَّا «أَنْفَذَ النَّبِيُّ ﷺ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُ بِإِقَامَتِهَا فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ الْمَذْكُورَ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ وَيَوْمُهَا يَوْمٌ عَظِيمٌ»، فَفِي الْمُوَطَّإِ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَالْأَكْثَرُ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ بَاقِيَةٌ مَا لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِهَا فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أَخْفَاهَا عَلَى الْعِبَادِ حَتَّى نَبِيِّنَا ﵊ لِيَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، كَمَا أَخْفَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ، وَكَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا إلَّا فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا أَخْفَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَغِيبَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَأَعْطَى النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ وَالْيَهُودَ يَوْمَ السَّبْتِ وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُصَلِّهَا ﷺ حِينَئِذٍ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَكْعَتَانِ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ وَيُسْقِطَانِهَا عَلَى آخَرَ، فَقَوْلُهُ: يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْقُطَانِهَا عَلَى آخَرَ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ وَهُوَ شَاذٌّ، إذْ لَوْ كَانَتْ بَدَلًا مَا صَحَّ فِعْلُهَا مَعَ إمْكَانِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، وَجَمَعَ الْفَاكِهَانِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِيَزُولَ الْإِشْكَالُ الْحَاصِلُ مِنْ فِعْلِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَدَلِيَّةِ فَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا بَدَلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ أَنَّ الظُّهْرَ شُرِعَتْ فِي ابْتِدَاءٍ ثُمَّ شُرِعَتْ الْجُمُعَةُ بَدَلًا مِنْهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْفِعْلِ أَنَّهَا إذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهَا الظُّهْرُ، فَإِضَافَةُ صَلَاةٍ فِي كَلَامِهِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى الِاسْمِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالسَّعْيُ) أَيْ الذَّهَابُ (إلَى) الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِأَجْلِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ)؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهَا الْجَامِعُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالْأَذَانِ لَهَا، وَتَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُرْمَةِ الِانْفِضَاضِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَ الَّذِينَ انْفَضُّوا مِنْ خَلْفِهِ ﵊ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] وَذَلِكَ لَمَّا أَقْبَلَتْ الْقَافِلَةُ مِنْ الشَّامِ خَرَجُوا إلَيْهَا وَتَرَكُوهُ ﵊ قَائِمًا يَخْطُبُ، قِيلَ: لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ وَهُمْ الصَّحَابَةُ الْعَشَرَةُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ بِلَالٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَ عَشَرَ فَقِيلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَاللَّهْوُ هُوَ النَّظَرُ إلَى صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَكَانَ أَقْبَلَ مَعَ الْقَافِلَةِ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى طَلَبِ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ
1 / 257