( أحدهما ) : أنه لا يعلم أنه قبله ، وإذا تعارض العام والخاص ولم يعلم التاريخ فلم يقل أحد من العلماء إنه ينسخه ؛ بل إما أن يقال: الخاص هو المقدم ، كما هو المشهور من مذهب مالك والشافعى وأحمد فى المشهور عنه ، وإما أن يتوقف ؛ بل لو علم أن العام بعد الخاص لكان الخاص مقدماً .
( الثانى ) : أنه قد بينا أن هذا الخاص بعد العام ، فإن كان نسخ كان الخاص ناسخاً . وقد اتفق العلماء على أن الخاص المتأخر هو المقدم على العام المتقدم فعلم باتفاق المسلمين على أنه لا يجوز تقديم مثل هذا العام على الخاص ، لو كان هنا لفظ عام ، كيف ولم يرد عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث عام بنسخ الوضوء من كل ما مسته النار ؛ وإنما ثبت فى الصحيح أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ(١) ، وكذلك أتى بالسويق فأكل منه ثم لم يتوضأ(٢). وهذا فعل لا عموم له ؛ فإن التوضؤ من لحم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين ، والحديث المتقدم دليل ذلك . وأما جابر فإنما نقل عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار))(٣). وهذا نقل لفعله لا لقوله ؛ فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه صح أن يقال الترك آخر الأمرين ، والترك العام لا يحاط به إلا بدوام معاشرته ، وليس فى حديث جابر ما يدل على ذلك ؛ بل المنقول عنه الترك فى قضية معينة . ثم ترك الوضوء مما مست النار لا يوجب تركه من جهة أخرى، ولحم الإِبل لم يتوضأ منه لأجل مس النار ، كما تقدم ؛ بل المعنى يختص به ويتناوله نياً ومطبوخاً . فبين الوضوء من لحم الإِبل والوضوء مما مست النار عموم وخصوص هذا أعم من وجه ، وهذا أخص من وجه ، وقد يتفق الوجهان .
(١) رواه البخارى (٦٣/١) عن ابن عباس.
(٢) رواه البخارى (٦٣/١ ) عن سويد بن النعمان.
(٣) حسن : رواه أبو داود (١٩٢) والنسائى (١٠٨/١) وابن خزيمة (٤٣).