استحباب .
فالأول كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها كما قال تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يَخُوضُون في آياتنا فأَعْرِضْ عنهم حتى يَخُوضُوا في حديثٍ غيره ﴾ . [ سورة الأنعام: ٦٨] ومنه قوله تعالى عن الخليل: ﴿ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهَبْنا له إسحاقَ ويعقوبَ ، وكُلّاً جعلْنا نبياً ﴾ [ سورة مريم: ٤٩] وقوله عن أهل الكهف: ﴿وإذ اعتزلْتُموهم وما يعبدون إلا الله فَأُووا إلى الكهف ﴾ [ سورة الكهف: ١٦] فإن أولئك لم يكونوا في مكان فيه جمعة ولا جماعة ، ولا مَنْ يأمر بشرع نبي فلهذا أووا إلى الكهف وقد قال موسى: ﴿وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ [ سورة الدخان: ٢١ ].
وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع ، وذلك بالزهد فيه فهو مستحب وقد قال طاوس : نِعْم صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه.
وإذا أراد الإِنسان تحقيق علم أو عمل فتخلى في بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة ، فهذا حق كما في الصحيحين أن النبي ﷺ سُئل: أي الناس أفضل؟ قال: (( رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة(*) طار إليها يتبع الموت مظانه ، ورجل معتزل في شِعْب من الشِعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير))(٥٧) وقوله: (( يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة )) دليل على أن له مالاً يزكيه وهو ساكن مع ناس يؤذن بينهم وتقام الصلاة فيهم فقد قال صلوات الله عليه: (( ما من ثلاثة في قرية
(*) الهيعة : الصوت الذي تفزع منه وتخافه من عدو.
(٥٧) رواه مسلم (١٨٨٩) عن أبي هريرة دون قوله (( أي الناس أفضل)) وهو من أفراده وعزاه أيضاً المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٧٤) لمسلم فقط. نعم رواه البخاري بنحوه (٢٧٨٦) عن أبي سعيد.