355

Al-fatāwā al-nāfiʿa li-ahl al-ʿaṣr wa-huwa mukhtaṣar fatāwā al-Imām Ibn Taymiyya al-khamsa waʾl-thalāthīn majalladan

الفتاوى النافعة لأهل العصر وهو مختصر فتاوى الإمام ابن تيمية الخمسة والثلاثين مجلداً

Editor

حسين الجمل

Publisher

دار ابن الجوزي

Publication Year

1411 AH

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

استحباب .

فالأول كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها كما قال تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يَخُوضُون في آياتنا فأَعْرِضْ عنهم حتى يَخُوضُوا في حديثٍ غيره ﴾ . [ سورة الأنعام: ٦٨] ومنه قوله تعالى عن الخليل: ﴿ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهَبْنا له إسحاقَ ويعقوبَ ، وكُلّاً جعلْنا نبياً ﴾ [ سورة مريم: ٤٩] وقوله عن أهل الكهف: ﴿وإذ اعتزلْتُموهم وما يعبدون إلا الله فَأُووا إلى الكهف ﴾ [ سورة الكهف: ١٦] فإن أولئك لم يكونوا في مكان فيه جمعة ولا جماعة ، ولا مَنْ يأمر بشرع نبي فلهذا أووا إلى الكهف وقد قال موسى: ﴿وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ [ سورة الدخان: ٢١ ].

وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع ، وذلك بالزهد فيه فهو مستحب وقد قال طاوس : نِعْم صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه.

وإذا أراد الإِنسان تحقيق علم أو عمل فتخلى في بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة ، فهذا حق كما في الصحيحين أن النبي ﷺ سُئل: أي الناس أفضل؟ قال: (( رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة(*) طار إليها يتبع الموت مظانه ، ورجل معتزل في شِعْب من الشِعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير))(٥٧) وقوله: (( يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة )) دليل على أن له مالاً يزكيه وهو ساكن مع ناس يؤذن بينهم وتقام الصلاة فيهم فقد قال صلوات الله عليه: (( ما من ثلاثة في قرية

(*) الهيعة : الصوت الذي تفزع منه وتخافه من عدو.

(٥٧) رواه مسلم (١٨٨٩) عن أبي هريرة دون قوله (( أي الناس أفضل)) وهو من أفراده وعزاه أيضاً المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٧٤) لمسلم فقط. نعم رواه البخاري بنحوه (٢٧٨٦) عن أبي سعيد.

355