هجمتْ له العين، ونفهتْ له النفس)) (*) ثم أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، فانتهى به إلى صوم يوم وفطر يوم فقال: إني أطيق أكثر من ذلك فقال: ((لا أفضل من ذلك)) وقال : ((أفضل الصيام صيام داود عليه السلام ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ولا يفر إذا لاقى. وأفضل القيام قيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)) (٤٩) وأمره أن يقرأ القرآن في سبع.
ولما كانت هذه العبادات هي المعروفة قال في حديث الخوارج الذي في الصحيحين: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))(٥٠) فذكر اجتهادهم بالصلاة والصيام والقراءة، وإنهم يغلون في ذلك حتى تحقر الصحابة عبادتهم في جنب عبادة هؤلاء.
وهؤلاء غلوا في العبادة بلا فقه فآل الأمر بهم إلى البدعة فقال: ((يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما وجدتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة))(٥١) فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين وكفّروا من خالفهم. وجاءت فيهم الأحاديث الصحيحة، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : صحَّ فيهم الحديث من عشرة أوجه، وقد أخرجها مسلم في صحيحه وأخرج البخاري قطعةً منها.
(*) هجمت : أي غارت ودخلت في موضعها. ونفهت: أعيت وكلت.
(٤٩) رواه الإمام البخاري (١١٣١ و ١١٥٣ و ١٩٧٤ - ١٩٨٠) وفي مواضع أخر متعددة. ومسلم (١١٥٩) وجمع رواياته في موضع واحد وهذا من مميزات ((صحيحه)).
(٥٠) رواه البخاري (٦٩٣١) ومسلم (١٠٦٤) وليس عندهما لفظ ((وقراءته مع قراءتهم)) وقد تقدم شيء من هذا في الفتاوى، نعم عند مسلم (١٠٦٦) من حديث علي مرفوعاً ولفظه: ((ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء)).
(٥١) رواه البخاري (٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٦).