فصل
وأما قول القائل : الكمال والنقص من الأمور النسبية - فقد بينا أن الذي يستحقه الربُّ هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن للوجود(٤٠) ، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلاً، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص فيكون كمالاً من وجه دون وجه كالأكل للجائع كمال له وللشبعان نقص فيه، لأنه ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص.
والتعالي والتكبر والثناء على النفس وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية هذا كمال محمود من الرب تبارك وتعالى، وهو نقص مذموم من المخلوق، وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية كقوله: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾ [سورة طه: ١٤] وقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠] وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤] وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [سورة العنكبوت: ٤] وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [سورة الإسراء: ٦٥] وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [سورة غافر: ٥١] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق: ٣،٢]. وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه وهو في ذلك صادق في إخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال - هو أيضاً من كماله، فإن بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو أيضا من كماله. وأما غيره فلو أخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذباً مفترياً، والكذب
(٤٠) في مجموع الفتاوى : للموجود.