فصل
وأما قول المشركين : إن عظمته وجلاله يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة وحُجّاب ، والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع : فهذا باطل من وجوه :
( منها ) أن الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب إما أن يكون قادراً على سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب ، وإما أن لا يكون قادراً، فإن لم يكن قادراً كان هذا نقصاً . والله تعالى موصوف بالكمال فوجب أن يكون متصفاً بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط ، ويجيب دعاءهم، ويحسن إليهم بدون حاجة إلى حُجّاب ، وإن كان الملك قادراً على فعل أموره بدون الحجّاب ، وترك الحجّاب إحساناً ورحمة كان ذلك صفة كمال .
وأيضا : فقول القائل إن هذا غض منه إنما يكون فيمن يمكن الخلق أن يضروه ويفتقر في نفعه إليهم ، فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم وأمنه أن يؤذوه فليس تقربهم إليه غضاً منه ، بل إذا كان اثنان أحدهما يقرب إليه الضعفاء إحساناً إليهم ولا يخاف منهم . والآخر لا يفعل ذلك إما خوفاً وإما كبراً وإما غير ذلك كان الأول أكمل من الثاني .
وأيضا فإن هذا لا يقال إذا كان ذلك بأمر المطاع بل إذا أُذِنَ للناس في التقرب منه ودخول داره لم يكن ذلك سوء أدب عليه ولا غضاً منه ، فهذا إنكار على من تعبده بغير ما شرع. ولهذا قال تعالى: ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ [ سورة الأحزاب: ٤٥، ٤٦ ] وقال تعالى: ﴿ أم لهم شركاءُ شَرَعُوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ [ سورة الشورى : ٢١ ].