فصل
( في الرد على منكري النبوات بالعقل )
وأما منكرو النبوات وقولهم : ليس الخلق أهلاً أن يرسل الله إليهم رسولاً كما أن أطراف الناس ليسوا أهلاً أن يرسل السلطان إليهم رسولاً. فهذا جهل واضح في حق المخلوق والخالق، فإن من أعظم ما تحمد به الملوك: خطابهم بأنفسهم لضعفاء الرعية فكيف بإرسال رسول إليهم.
وأما في حق الخالق فهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو قادر مع كمال رحمته، فإذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع أن يرسل إليهم رسولاً رحمةً منه؟ كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٧] وقال النبي ﷺ: ((إنما أنا رحمةٌ مهداة)) (٣٨). ولأن هذا من جملة إحسانه إلى الخلق بالتعليم والهداية وبيان ما ينفعهم وما يضرّهم كما قال تعالى: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بَعَثَ فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياتِهِ ويزكِّيهم ويعلّمهم الكتاب والحِكْمَةَ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤] فبين تعالى أن هذا من مننه على عباده المؤمنين.
فإن كان المنكر ينكر قدرته على ذلك فهذا قدح في كمال قدرته، وإن
(٣٨) رواه الدارمي (١٥) من طريق الأعمش عن أبي صالح مرسلاً صحيح الإِسناد، ووصله الحاكم (١/ ٣٥) من طريق مالك بن سُعير ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً بزيادة ((يا أيها الناس...)) وهي أيضاً عند الدارمي، وقال: صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعاً بمالك بن سُعير... ووافقه الذهبي.
ولكن البخاري إنما روى لمالك بن سُعير حديثين توبع عليهما عنده كما قال الحافظ في ((هدى السارى)) ثم إن مسلماً لم يرو له في ((صحيحه)) فهو ليس إذن على شرطهما، بالإضافة إلى أن مالكاً بن سُعير ضعفه أبو داود وقال أبو حاتم وغيره: صدوق واعتمد هذا القول الذهبي في ((المغنى)) فكيف يوافق الحاكم على تصحيحه !!