وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه في الكمال وهو قولنا إن الكمال الذي لا نقص فيه الممكن الوجود يجب اتصافه به وتنزيهه عما يناقضه، فيقال خلق بعض الحيوان وفعله الذي يكون سبباً لعذابه هل هو نقص مطلقاً أم يختلف.
وأيضاً فإذا كان في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك، فأيما أكمل تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها؟ وأيضاً فهل يمكن حصول الحكمة المطلوبة بدون حصول هذا؟
فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان علم أنه لا يمكنه أن يقول خلق فعل الحيوان الذي يكون سبباً لتعذيبه نقص مطلقاً.
والمثبتة للقدر قد تجيب بجواب آخر لكن ينازعهم الجمهور فيه فيقولون كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال بخلاف الذي يكون مأموراً منهياً الذي يؤمر بشيء وينهى عن شيء. ويقولون إنما قبح من غيره أن يفعل ما شاء لما يلحقه من الضرر وهو سبحانه لا يجوز أن يلحقه ضرر.
والجمهور يقولون إذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره كان الذي يفعل لحكمة ورحمة أكمل ممن يفعل لا لحكمة ولا لرحمة.
ويقولون إذا قدرنا مريداً لا يميز بين مراده ومراد غيره ومريداً يميز بينهما فيريد ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد دون ما هو بالضد كان هذا الثاني أكمل.
ويقولون: المأمور المنهي الذي فوقه آمر ناهٍ هو ناقص بالنسبة إلى من ليس فوقه آمر ناهٍ، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل والمحرم عليها ما لا ينبغي أن يفعل، وآخر يفعل ما يريده بدون أمر ونهي من نفسه. فهذا الملتزم لأمره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة أكمل من ذلك وقد قال