فصل
وقول القائل: إن الضحك خفة روح - ليس بصحيح وإن كان ذلك قد يقارنه ثم قول القائل: ((خفة الروح)) إن أراد به وصفاً مذموماً فهذا يكون لما لا ينبغي أن يضحك منه، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه والآخر لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني، ولهذا قال النبي ﷺ: ((ينظر إليكم الرب قانطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب)) فقال له أبو رزين العقيلي يا رسول الله: أو يضحك الرب؟ قال: (( نعم )) قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً(٣٠) فجعل الأعرابي العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلاً على إحسانه وإنعامه، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب أنه ﴿يوماً عبوساً قمطريراً﴾ [سورة الإنسان: ١٠].
وقد روي أن الملائكة قالت لآدم: حياك الله وبياك، أي أضحكك. والإنسان حيوان ناطق ضاحك، وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزماً لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختص لا عام فليس حقيقة الضحك مطلقاً مقرونة بالنقص كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقروناً بالنقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجداً
(٣٠) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥٥٤) والآجري في ((الشريعة)) (ص ٢٧٩ - ٢٨٠) وفي إسناد الحديث وكيع بن حُدس، مقبول كما في ((التقريب)) يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث، ولم يُتابع على هذا الحديث.