فصل
وأما قول القائل : الغضب غليان دم القلب بطلب الانتقام : فليس بصحيح في حقنا بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام أصلا . وأيضاً فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب ، كما أن الحياء يقارن حمرة الوجه والوجل يقارن صفرة الوجه . لا أنه هو ، وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم إلى خارج، فكان منه الغضب وإن استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل فاصفر الوجه كما يصيب الحزين .
وأيضاً فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا ، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا ، فليس هو مماثل لنا لا لذاتنا ولا لأرواحنا ، وصفاته كذاته . ونحن نعلم بالاضطرار أنا إذا قدرنا موجودين أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد كان الذي عنده تلك القوة أكمل . ولهذا يذم من لا غَيْرةَ له على الفواحش كالديوث ، ويذم من لا حمية له يدفع بها الظلم عن المظلومين ، ويمدح الذي له غَيْرةٌ يدفع بها الفواحش وحمية يدفع بها الظلم . ويعلم أن هذا أكمل من ذلك. ولهذا وصف النبي ﷺ الرب بالأكملية في ذلك فقال في الحديث الصحيح: (( لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) (٢٨) وقال: (( أتعجبون من غَيْرة سعد ؟ أنا أغير منه والله أغير مني )) (٢٩).
وقول القائل : إن هذه انفعالات نفسانية : فيقال : كل ما سوى الله
(٢٨) رواه البخاري ( ٤٦٣٧) ومسلم ( ٢٧٦٠ ) واللفظ للبخاري .
(٢٩) رواه البخاري (٧٤١٦) ومسلم ( ١٤٩٩)