فصل
وأما قول القائل: الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم، فهذا باطل. أما أولًا: فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين، والرحمة ممدوحة وقد قال تعالى: ﴿وتواصَوْا بالصبرِ وتواصَوْا بالمرحمة﴾ [سورة البلد: ١٧]. وقد نهى الله عباده عن الوهن والحزن فقال تعالى: ﴿ولا تَهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَوْنَ إن كنتم مؤمنين﴾ [سورة آل عمران: ١٣٩]. وندبهم إلى الرحمة، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((لا تُنزع الرحمة إلا من شقي))(٢٥) وقال: ((من لا يَرْحم لا يُرْحم))(٢٦) وقال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))(٢٧) ومحال أن يقول لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولكن لما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك مطلقًا.
(٢٥) رواه الإمام أحمد (٢/ ٤٤٢ و٤٦١ و٥٣٩) وأبو داود (٤٩٤٢) والترمذي (١٩٢٣) وقال: حديث حسن وابن حبان (٢٠٦٥) كلهم من طريق منصور عن أبي عثمان مولى المغيرة بن شعبة عن أبي هريرة مرفوعًا به وعند ابن حبان: إن الرحمة...، وأبو عثمان مقبول كما في ((التقريب)) يعني عند المتابعة وإلا فهو لين الحديث ولكن يشهد له ما بعده من الحديث.
(٢٦) رواه البخاري (٥٩٩٧) ومسلم (٢٣١٨) عن أبي هريرة مرفوعًا واللفظ للبخاري. وفي الباب عن جرير.
(٢٧) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٦٠) وأبو داود (٤٩٤١) والترمذي (١٩٢٤) وقال: حسن صحيح والحاكم (٤/ ١٥٩) وصححه، ووافقه الذهبي. كلهم من طريق عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن ابن عمرو مرفوعًا، وزاد أحمد والترمذي والحاكم: ((الرحم شُجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله)). واللفظ - في الزيادة - للترمذي وفي إسناد الحديث أبو قابوس، وهو مقبول كما في ((التقريب)) يعني عند المتابعة، وللحديث شواهد منها ما تقدم.