تلك الأمور أكمل من هذا.
فدل على أن من جرد عن صفات الكمال والوجود بأن لا يكون له علم كالجماد، فالذي يعلم أكمل منه، والعالم الذي يحب المحمود ويبغض المذموم أكمل ممن لا يحبهما. وأما أن يحبهما(*)، ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض المذموم أكمل ممن يحبهما أو يبغضهما.
وأصل هذه المسألة هي الفرق بين محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وبين إرادته كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم. وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما. ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما لم يشاء ويشاء ما لم يكن.
وقالت المثبتة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذن قد أراد الكفر والفسوق والعصيان، ولم يرده دِيناً، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دِيناً ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن.
وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته، ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وأن الكفار يُبَيِّتُونَ مَا لا يرضى من القول، والذين نفوا محبته بنوها على هذا الأصل الفاسد.
(*) لعل أصل الكلام : فهو إما أن يبغضهما معا وإما أن يحبهما إلخ.