فصل
وأما المقدمة الثانية فنقول: لابد من اعتبار أمرين (أحدهما) أن يكون الكمال ممكن الوجود، و(الثاني) أن يكون سليماً عن النقص؛ فإن النقص ممتنع على الله، لكن بعض الناس قد يسمي ما ليس بنقص نقصاً، فهذا يقال له إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميتَ أنت هذا نقصاً وقدر أن انتفاءه يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن ولم يكن هذا عند من سماه نقصاً من النقص الممكن انتفاؤه، فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له، قيل: وجود المخلوقات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها أو واحداً منها في الأزل، فيمتنع وجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد ممتنع، سواء قدر ذلك الآن ماضياً أو مستقبلاً، فضلاً عن أن يكون أزلياً، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده في آن واحد فضلاً عن أن يكون أزلياً، فليس هذا ممكن الوجود فضلاً عن أن يكون كمالاً، لكن فعل الحوادث شيئاً بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئاً بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر على الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل. فإذا قيل: لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصاً بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئاً بعد شيء، وكذلك إذا قيل: جعل الشيء الواحد متحركاً ساكناً موجوداً معدوماً صفة كمال، قيل هذا ممتنع لذاته.
وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال، قيل: هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعاً يقتضي أن لا يكون واجباً بنفسه بل واجباً بغيره، فإذا قيل هو واجب موجود بنفسه، وهو لم يوجد إلا بغيره: كان هذا جمعاً بين النقيضين.
وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه - إذا كان