متوقفاً إلا على ما هو من نفسه، وذلك متوقف عليه لا على غيره.
وإن قيل ذلك الغير ليس مخلوقاً بل واجباً آخر قديماً بنفسه فيقال: إن كان أحد هذين هو المعطى دون العكس فهو الرب والآخر عبده، وإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال لزم الدور في التأثير، وهو باطل، وهو من الدور القبلي لا من الدور المعي الاقتراني، فلا يكون هذا كاملاً حتى يجعله الآخر كاملاً، والآخر لا يجعله كاملاً حتى يكون في نفسه كاملاً، لأن جاعل الكامل كاملاً أحق بالكمال، ولا يكون الآخر كاملاً حتى يجعله كاملاً، فلا يكون واحد منهما كاملاً بالضرورة، فإنه لو قيل لا يكون كاملاً حتى يجعل نفسه كاملاً ولا يجعل نفسه كاملاً حتى يكون كاملاً لكان ممتنعاً، فكيف إذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملاً كاملاً.
وإن قيل كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء، فإن تقدير مؤثرات لا تتناهى ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا وجود اجتماعها، والمبدع للموجودات لابد أن يكون موجوداً بالضرورة، فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جراً، للزم أن لا يكون لشيء من هذه الأمور كمال، وقد قدر(١٢) أن الأول كامل، فلزم الجمع بين النقيضين، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره كان الكمال له واجباً بنفسه، وامتنع تخلف شيء من الكمال الممكن عنه، بل ما جاز له من الكمال وجب له، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم. بل هذا ثابت في مفعولاته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعاً بنفسه أو ممتنعاً لغيره فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره ، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره ، والممكن إن
(١٢) في مجموع الفتاوى : ولو قدر ...