منها: من زرع وثمر على أن يعمروها من أموالهم(١). فهذه مشاطرة فعلها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والبذر من العامل لا من رب الأرض. وكذلك كان أصحابه بعده يفعلون: مثل آل أبي بكر، وآل علي بن أبي طالب، ومثل سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، والذين خالفوا ذلك لهم مأخذان ضعيفان:
أحدهما : أنهم ظنوا أن المزارعة مثل المؤاجرة، وليست من باب المؤاجرة، فإن المؤاجرة يقصد منها عمل العامل، ويكون العمل معلوما، بل يشتركان هذا بمنفعة أرضه، وهذا بمنفعة بدنه وبقره كسائر الشركاء. وأما ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المخابرة، فقد جاء مفسراً في الصحيح أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة. فلهذا نهى عنها ومن اشترط أن يكون البذر من المالك، فإنه شبهها بالمضاربة التي يشترط أن يكون المال من أحدهما، والعمل من الآخر، وظن أن البذر يكون من رب الأرض، وكلاهما مال. وهذا غلط، فإن رأس المال يعود في هذه العقود إلى صاحبه، كما يعود رأس المال في المضاربة، والأرض في المزارعة، والأرض والشجر في المساقاة.
والعامل إذا بذر البذر وأماته فلم يأخذ مثله، صار البذر يجري مجرى المنافع التي لا يرجع بمثلها. ومن اشترط أن يكون البذر من المالك ولا يعود فيه فقوله في غاية الفساد، فإنه لو كان كرأس المال لوجب أن يرجع في نظيره كما يقول مثل ذلك في المضاربة.
(٢٢٤) وسُئل رحمه الله (٣٠/ ١٤٥).
عن امرأة دفعت إلى إنسان مبلغ دراهم ليزرع شركة، وقد ذكر أنه زرع، ثم بعد ذلك دفع إليها أربعين، وذكر أنه من الكسب، ورأس المال باق، ثم دفع لها خمسين درهما وقال: هذا من جملة مالك. وبقي من
(١) رواه البخاري (٣/ ١٨٣) ومسلم (١٥٥١) وليس عندهما قوله: ((على أن يعمروها)) فعند البخاري ((على أن يعملوها)) وعند مسلم ((على أن يعتملوها)). والله أعلم.