Al-dār al-ākhira
الدار الآخرة
من يذادون عن الحوض
نعود للشفاعة، إذًا لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة، وهناك أناس يجيء الرسول ليشفع لهم، فلا يسمح له بالشفاعة؟ قال ﵊: (يذاد أناس -أي: يطرد، ويمنع ويحجب- من أمتي عن الحوض يوم القيامة، فأنهض لأشفع لهم عند ربي، فيقول ربي لي: يا محمد لا تفعل) إذًا هنا لا تنفع الشفاعة، ولا داعي لها، (إنك لا تدري ماذا أحدثوا من بعدك، إنهم رجعوا على أدبارهم القهقرى) أي: رجعوا للوراء، وتركوا الكتاب والسنة، (فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل وغير) فلا يشفع لهم، وتخيل أنت لو وجدت ابنتك تذهب وترقص في الماء أمام الناس، أترضاها؟ لا يرضاها إلا ديوث، وأنت لا ترضى الدياثة، فلا يدخل الجنة ديوث.
وهو من يعرف القبح على أهله ويسكت عليه، كما قال النبي ﷺ.
والقبح هو أن تخرج زوجته عريانة في الشارع، أي: عريانة بعرف الإسلام والعقل المستنير، وهو عرف الشهامة، والكارثة أن تكون بنت بعمر ثماني عشرة سنة وهي كذلك، فمن كان ديوثًا يرضى الدياثة، فلن ينكر، ومعلوم أن العسل إن لم تغطيه فالذباب يدور حوله، فإن كانت زوجتك تمشي بجوارك وهي محترمة تلبس اللباس الشرعي، فلن ينظر أحد إليها، وإن خرجت وزوجتك أو ابنتك عارية، فالأنظار تنصرف إليها، وتكون من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة وتنتشر في الذين آمنوا.
وقد يقال لك: الحجاب حجاب القلب، ونقول: لو احتجب القلب عن المعاصي لاحتجبت الجوارح.
إذًا: فيقول النبي ﷺ: (إنهم رجعوا على أدبارهم القهقرى فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل وغير).
لو دخل النبي مسجدًا من المساجد وفيه بدع، فهل يقول ﷺ: إن هذه أمتي؟ لا يمكن ذلك، ومن البدع التي تقع في المساجد ارتفاع الأبواب، وزخرفة المساجد، وما فيها من البدع والمنكرات كثير فلا يقول الرسول: إن هذه هي المساجد، بل إن المساجد في أيامنا قد يدخل فيها الأجانب وهم نجس، ولو اغتسل فلا تزال نجاسة الكفر عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، ويدخل في حكم المسجد الحرام كل المساجد التي يصلى فيها الصلوات الخمس، فلا يجوز أن يدخلها مشرك؛ لأنه نجس، حتى ولو دفعوا ما دفعوا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة:٢٨] أي: فقرًا وقلة، لشحة الموارد السياحية ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨].
نعود إلى مسألة الشفاعة، وعلمنا أن شفاعات النبي ﷺ خمس، بإضافة شفاعته في عمه أبي طالب.
ثم تكون شفاعة العلماء العاملين، وشفاعة الشهداء.
14 / 20