مَرِحِينَ ولا مفسِدين، والهَوْنُ في اللغة: الرُّفق واللين، ومنه قوله ﷺ: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عسى أن يكون بغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون حبيبَكَ يومًا ما" (^١)، والهَوْنُ: مصدر الهَيِّن في السكينة والوقار، يقال: فلانٌ يمشي هَوْنًا: إذا كان يمشي في اقتصاد وتواضع وسَكِينة ووقار.
قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ يعني: السُّفهاءَ بما يكرهونَه ﴿قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ نَصْبٌ على المصدر؛ أي: سلَّموا عليهم سلامًا، وقال طاهر ابن أحمد (^٢): ليس المرادَ بالسلام في الآية الكرامةُ والتحيّة، وإنما المرادُ به التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيةُ؛ لأنه خطابُ المؤمنين للجاهلين، كأنهم قالوا: تَبَرَّأْنا منكم تَبَرُّؤًا، وسُلِّمْنا منكم تَسْلِيمًا، فأَوْقَعَ السلامَ موقعَ التسليم، فانتصب بانتصابه، فلذلك وجب نصبه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ هذا وَصُفُ لَيْلِهِمْ، قال الزَّجّاج (^٣): كُلُّ مَنْ أدركه الليل فقد بات يبيت، نام أو لم يَنَمْ، يقال: بات فلانٌ قَلِقًا، والمعنى: يَبيتون لربِّهم بالليل فِي الصلاة سُجَّدًا وقيامًا، قال ابن عباس (^٤): مَن صلَّى بالليلَ ركعتَيْنِ أو أكثرَ فقد بات للَّه -سبحانه- ساجدًا وقائمًا، وهما منصوبانِ على الحال.
(^١) رواه الترمذي في سننه ٣/ ٢٤٣ أبواب البر والصلة: باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض، والطبرانِيُّ في المعجم الأوسط ٣/ ٣٥٧، ٥/ ٢١٣، ٦/ ٢٠١، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٨ كتاب الأدب: باب "أحبب حبيبك هونًا ما"، وذكر الهيثمي أنه ضعيف، وذكره الفتني في تذكرة الموضوعات ص ١٩٩.
(^٢) في شرح جمل الزَّجّاجي ٢/ ١٥٢.
(^٣) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٧٥.
(^٤) ينظر: عين المعاني ورقة ٩٣/ أ.