فصلٌ
عَن أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَعَلَّمِ القُرآنَ وعَلِّمْهُ، ومنْ عَلَّقَ مُصْحَفًا لمْ يَتَعاهَدْهُ ولمْ يَنْظُرْ فِيهِ، جاء يوْمَ القِيامةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يقُولُ: يارَبَّ العالَمِين! عَبْدُكَ هذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْني وبَيْنَهُ" (^١).
وعن حُذَيفةَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "قِراءةُ الرَّجُلِ في غَيْرِ المُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجةٍ، وفي قِراءَتِهِ في المُصْحَفِ يُضاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَي دَرَجةٍ" (^٢).
ثم عَزَّى نَبِيَّهُ ﷺ فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: لا تحزَنْ على ما فَعَلَ قومُكَ، فإنّ الأنبياءَ قبلَك قد لقِيتَ هذا التكذيبَ من قومهم، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ مرشدًا لك ﴿وَنَصِيرًا (٣١)﴾ ناصرًا لك على أعدائك، وهما منصوبانِ على الحال أو التمييز (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: هلّا نُزِّلَ عليك القرآنُ في وقتٍ واحد، كما أُنزلت التوراة والإنجيلُ والزَّبُورُ؟ فقال اللَّه تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أنزلناه متفرِّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لِنُقَوِّيَ به قلبَكَ فيزدادَ بصيرةً ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾؛ أي: بيَّنّاهُ بيانًا، وفصَّلناه تفصيلًا، والترتيل: التحقيقُ والتبيين، وهو مصدرٌ جاء على غير الصدر، ونَصْب ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: على الحال.
(^١) ينظر: الكشف والبيان ٧/ ١٣٢، الكشاف ٣/ ٩٠، المحرر الوجيز ٤/ ٢٠٩، عين المعاني ورقة ٩٢/ أ، تفسير القرطبي ١٣/ ٢٨.
(^٢) رواه الطبرانِيُّ في المعجم الكبير ١/ ٢٢١، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٦٥ كتاب التفسير: باب القراءة في المصحف وغيره.
(^٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٦٦.