فأمّا العرش فإن البيهقي ﵀ قد ذهب إلى القول بأنه السرير، وأنه جسم مجسم، خلقه الله تعالى، وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه، والطواف به، كما خلق في الأرض بيتًا، وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة، وذكر أن أقوال المفسرين مجتمعة على هذا الرأي١.
وأما الاستواء: فإنه يذهب فيه إلى القول بالتفويض زاعمًا أن هذا هو مذهب السلف، وأنه هنا أسلم من التأويل الذي رأيناه يذهب إليه في بعض ما مضى من الصفات الخبرية. ولذلك رأيناه يصدر كلامه عن هذه الصفة بذكر هذا الرأي وتأييده بعبارات نقلها عن السلف، ظانًا أنها ترمي إلى القول بالتفويض.
يقول ﵀ بعد إيراده للآيات السابقة - التي بها ثبتت هذه الصفة لله ﵎ يقول: "فأما الاستواء، فالمتقدمون من أصحابنا ﵃ كانوا لا يفسرونه، ولا يتكلمون فيه، كنحو مذهبهم في أمثال ذلك"٢.
ثم ذكر بسنده عن الأوزاعي قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ويؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
وذكر بسنده أيضًا عن يحيى بن يحيى أنه قال: "كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، فأمر به أن يخرج".
١ الأسماء والصفات ص: ٣٩٢.
٢ المصدر نفسه ص: ٤٠٧.