وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾ [المائدة].
ولذلك ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إِلَى حُرْمَةِ بَيْعِ السِّلاح زمن الفتنة للبغاة وأهل
الفتنة، لما في ذلك من تعاون على الإثم والعدوان، ومفاسد لازمة ومتعديّة، ومجرّدة ومزيدة، جَرْيًا على قاعدة الأمور بمقاصدها، والحكم للغالب، ودَرْء المفاسد مُقدَّم
على جلب المصالح، لاسيَّما إذا كانت المصالح خاصَّة والمفاسد عامَّة مطلقة.
فالمسلم عليه أن يكون مع الخيار لا مع الشِّرار الَّذين لا يُرجى خيرهم ولا يُؤْمَنُ شرُّهم، قَالَ ﷺ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَخِيَارُكُمْ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ الله تَعَالَى. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَشِرَارُكُمْ المُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، المشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، البَاغُونَ، البُرَآءَ العَنَتَ" (^١).
وهذا عثمان ﵁ لمَّا نزل به ما نزل، دخل عليه عُبَيْدُ الله بْن عَدِيّ، وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: "إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ؟! فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا، فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ " (^٢).
وفي هذا الأثر التَّحذير من الفتنة، والحضُّ على شهود الجماعة خاصّة في زمن الفتن؛ حرصًا على جمع الكلمة ووحدة الصَّف، فصلاة الجماعة ضاعف الله تعالى أجرها لأنّها من مظاهر وحدة المسلمين. وقول عثمان ﵁ سنَّة متَّبعة ماضية؛ لحضِّ النَّبيِّ ﷺ على اتِّباع سنَّته، وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين من بعده.
(^١) أحمد "المسند" (ج ١٨/ص ٥٩٩/رقم ٢٧٤٧٤) وإسناده حسن.
(^٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ١/ج ١/ص ١٧١) كتاب الأذان.