الصِّراط المستقيم، فقال مخبرًا عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف]. وقوله: (لأقعدَنَّ) تضمين، لأنَّه حَصَلَ معنى في هذا الفعل مِنْ غير ذكر له، وإنَّما تضمَّنه؛ فالفعل (لأقعدنَّ) يتضمَّن معنى لألزمَنَّ، والمعنى: لألزمَنَّ صراطك المستقيم لا أبرحه، والقعود يكون طارئًا متجدِّدًا، واللُّزوم يفيد الدَّوام والثَّبات والاستمرار، وهذا المعنى أفاده التَّضمين، الَّذي هو ضرْب مِن الإيجاز البليغ في البيان، وفنّ من فنونه.
فإبليس قاعد على الصِّراط المستقيم ملازم له مواظب عليه مواظبة لا يفتر عنها، فلا يَدَعُ جهدًا في إطغاء وإغواء بني آدم، وقد ذكر الله تعالى في غير موضع أنَّ إبليس أخبر بذلك، كقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص] وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النِّساء] وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء].
وأخبر النَّبيُّ ﷺ محذِّرًا إيّانا أنَّ إبليس له سرايا، وأنَّ مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في جوانب الأرض لفتنة النَّاس، فقال ﷺ: " إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى البَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً " (^١).
(^١) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ" (م ٩/ج ١٧/ص ١٥٦) كتاب صفة القيامة.