230

Akhbār al-zamān wa man abādahu al-ḥadathān wa ʿajāʾib al-buldān wa al-ghāmir biʾl-māʾ wa al-ʿimrān

أخبار الزمان و من أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران

وعمل له هيكلا لطيفا وجعله في صدره، وأرخى عليه ستور الحرير، فأقبل عليه السحرة على خدمته بالبخور والقربان، إلى أن نطق لهم، فأقام عون على عادته ودعى الناس إلى ذلك فأجابوه، فلما مضت لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله إليها فتكون حرزا له ومعقلا من كل أحد، فأمر عون كل فاعل بمصر أن يجتمعوا له، وأمر أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا إليه أرضا حسنة الاستواء، ويكون المدخل فيها بين فجوج صعبة وجبال وعرة، ويتوخى ان تكون تلك الارض قريبة من مغاض المياه، فكان مغيض الماء هو اليوم الفيوم وكان مغيضا لمياه النيل، حتى أصلحه يوسف عليه السلام، وإنما أراد عون قرب مكان المدينة من مغيض المياه ليجري إليها الماء منها، فخرج أصحابه يطوفون في الارض، فأقاموا في ذلك شهرا حتى وجدوا له بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس ممن كان يفتت الصخور ويقطعها ويعمل شيئا مما يصلح للبنيان إلا وجهه، وأنفذ معهم ألف فارس في طاعتهم، وأنفذ معهم جميع الآلات، وأقام في توجيه الزاد إليهم شهرا على العجل، وطرق العجل اليوم ظاهرة واضحة في صحراء الغرب من خلف الاهرام، وهي التي يقصدها أصحاب المطالب وهي بنية مشهورة. فلما تكامل لهم ما يريدونه من قطع الحجارة ونحتها أعدوا من العدد، وخطوا موضع المدينة وجعلوه فرسخين في مثلهما، وحفروا في وسطها بئرا، وجعلوا في تلك البئر تمثالا من نحاس صورة خنزير ونحاسة بأخلاط، وجعلوا وجهه إلى الشرق.

وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له وهو في شرفه.

وأخذوا خنزيرا فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئا من شعره وعظامه ولحمه ودمه ومرارته، فجعلوا ذلك في جوف خنزير من النحاس ونقشوا عليه آيات زحل.

ثم شقوا في البئر أخدودا من أربعة أوجه المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتصل كل شارع فيها بباب من أبواب المدينة، ووصلوا ما بينها بالمنازل الحسنة والطرقات، وجعلوا حول القبة تماثيل من نحاس بأيديهم حراب، ووجوهها مقابلة لتلك الابواب.

وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، وفوقة حجر أحمر، وفوقه حجر أخضر، وفوقه حجر أصفر، وفوق الكل ابيض شفاف، مثقبة كلها بالرصاص المصبوب بينها، وفي قلوبها أعمدة الحديد على صفة بناء الاهرام.

وجعل طول حصنها ستين ذراعا ونصف ذراع، وعلى كل باب من أبوابها على أعلى الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط، أجوف ناشر الجناحين، وعلى كل من أركان المدينة صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة، وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبيب إلى الباب البحري، ويخرج إلى بطائح هناك، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشمالي.

Page 249