وتذهب التوجيهات التي توجب دوران الجهاد في فلك الرسالة مدى أبعد فتحث الأمة المسلمة على العفو والامتناع عن الثأر، أو استرجاع ما صودر من ممتلكاتها حين تظهر على عدوها، ويتحقق لها النصر حتى تفتح بصائر الخصوم على نبالة الغاية الأساسية من الجهاد. قدم شريح بن ضبيعة الكندي إلى النبي ﷺ من اليمامة. وحين وصل ترك خيله خارج المدينة، ثم دخل على النبي وحده وسأله:
- إلام تدعو الناس؟
قال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة".
فقال شريح: حسن! إلا أن لي أمراء لا أقطع دونهم رأينا ولعلهم يسلمون ويأتون معي فلما خرج قال النبي ﷺ لأصحابه:
- "لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم".
فمر شريح بماشية سارحة لأهل المدينة فساقها وطلبه المسلمون فعجزوا عن اللحاق به. فلما خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية، فإذا بشريح هذا وأصحابه ومعهم الماشية التي نهبوها جاء يهديها إلى الكعبة. فقال لهم الرسول الله ﷺ: "هذا شريح دونكم إياه". فلما توجه المسلمون لطلبه أنزل الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] .
فلم يملك الرسول ﷺ إلا الامتثال لأمر الله، والتوقف عن التعرض لشريح. ولقد كانت بقية مواقف الرسول ﷺ مع الخصوم نماذج حية للعفو، والامتثال للتوجيهات الإلهية التي تقرن الجهاد بالرسالة. فقد ناله ﷺ القسط الأكبر من الأذى، ومع ذلك فقد كان يضبط أحزانه، ويتناسى آلامه وثأره ممن أبلغ الجرح فيه فها هو يعفو عن وحشي قاتل عمه حمزة في أحد، ويعفو عن ابن أبي سرح الذي ابتدع أبشع الأكاذيب عليه، ويعفو عن هند زوجة أبي سفيان المتآمرة الأولى على اغتيال حمزة، وآكلة كبده بعد
1 / 253