239

اختلط السيد محمد بن علي الإدريسي في مصر بلفيف من الخادمين للطليان، ثم رجع إلى صبيا وابتدى ببث الفتنة، فأرسلت إليه الدولة العثمانية وفدا رئيسه الشيخ توفيق الأرنأودي أحد رجال الطريقة الإدريسية وأرسلت مع ذلك جيشا قائده سعيد باشا إلى جيزان ميناء صبيا، فعمى الإدريسي على الوفد وأظهر لهم أنه ليس بثائر على الدولة، فطلب الوفد وصول سعيد باشا إلى صبيا فوصل، وأمر الإدريسي القبائل بخروجهم لمقابلة سعيد باشا وبصياحهم في حضوره الله انصر أمير المؤمنين السلطان محمد رشاد، ولو هذه الخديعة لأمكن سعيد باشا احتلال صبيا قبل أن يتقوى الإدريسي، ثم طلب من سعيد والوافد إحضار سليمان باشا متصرف عسير حتى يكون وإياه يدا واحدة على إصلاح اليمن ويزول سوء التفاهم، وأنه متعهد للدولة بمد الأسلاك البرقية والسكك الحديدية في تهامة، فسارعوا إلى طلب سليمان باشا وبينهما مسافة سبعة أيام ولما وصل طلب الإدريسي أن ترفع الدولة العوائد القديمة وتقنع بالزكاة الشرعية وأن يكون هو المكلف بجمعها على أن يكون له الثلث منها والتزم لهم بتأليف جيش من الوطنيين لحفظ الوطن، وطلب أن يكون كتابة هذا الاتفاق ويمضي عليه هو وسعيد باشا، ويرسل الباشا لكافة القبائل بتهامة وعسير كتبا يأمرهم فيها بالخضوع لأمر الإدريسي حتى يتم له الإصلاح الحقيقي وجمع الزكاة ومد الأسلاك البرقية والسكك متى طلبت الدولة ذلك، فانخدع القائد والوفد وأجابوه إلى ما طلب، ثم سافر سعيد نحو صنعاء في جيشه فخلا الجو للإدريسي وامتدت سلطته يوما فيوما، ودارت المكاتبة بينه وبين من على شاكلته بمصر بواسطة وكيله المقيم في مصوع وبدأ بتأليف البدوان لاعتقادهم الصلاح والتقوى في سلفه وظنهم أنه على منوالهم، وكان عنده صندوق الكهرباء المحرك للأعصاب عند لمسه كما هي العادة، فأخرج من داره الحبل المتصل بالصندوق إلى الجمع المحتشد وأمر بعض خدمته أن يغري بعض رؤساء القبائل بقبض النحاسة التي في طرف الحبل ففعل فاختلجت إبهاهمه وسرى التأثير الكهربائي إلى غيره حسب العادة فخرج الحاضرون يصرخون المدد يا إدريسي أغثنا، وقالوا أنه يمنع الذئب عن الغنم، وأن سيفه يقطع رأس عدوه من أميال، وأن، وأن.. وأطال أعوانه بمصر هذه الخرافات، ثم رتب أربعة أمراء له : السيد مصطفى الإدريسي على جبل عسير وغيره، والسيد محمد بن خرشان على وادي يبا، وابن عرار على حائل وبارق، والسيد الفصال على المحواة. ثم كلف عامله على عسير بمحاربة الدولة العثمانية وطردها عن عسير ويضرب من لم يطع أمره في جبل الحجاز حتى ملكهم. ثم ابتدأ في محاصرة أبها عاصمة عسير من ذي القعدة سنة 1323 ثمان وعشرين وشتت عساكر الدولة من جميع الجهات، ولم يبق غير سليمان باشا المتصرف والمحصورين لديه في أبها من العسكر، فمات أكثر العسكر جوعا وأكل بعضهم الهرر والكلاب واستمر الحصار نحو عشرة أشهر. وتوجه الشريف الحسين بن علي من مكة في يوم 16 ربيع الثاني سنة 1329تسع وعشرين في جنوده النظامية التركية والعربية والفرسان، وكان المعارك العديدة بين عسكره وعسكر الإدريسي حتى وصل الشريف الحسين وجيشه إلى أبها نهار السبت 19رجب سنة 1329تسع وعشرين وكان فك الحصار عن أبها. ثم حضر الشيخ حسن بن علي بن محمد بن عايض العسيري وكافة مشايخ عسير السراة ورجال للمع جميع الأسلحة التي كان أخذها السيد محمد مصطفى من قلعة شعار وفرقها بين القبائل لمقاتلة الأتراك، فأمر الشريف حسين بتسليمها إلى سليمان واعتذر من تابع الإدريسي من المشايخ بأنهم إنما تابعوه بعد أن أرسل لهم سعيد باشا الأوامر المختومة بختمه وختم الإدريسي.

ومدينة أبها أربع قرى: مناظر، مقابل ، والخشعة، والقرى، وتحيط بها الجبال من الجهات الأربع، وفي جميع جبالها نحو خمس وعشرين قلعة محصنة أحسن تحصين، وكان رجوع الشريف الحسين وقومه من أبها في يوم الأحد رابع شعبان وأبقوا فيها ستة عشر طابورا من النظام بجميع لوازمها الحربية ووصل الطائف في صبح الخميس 22شعبان وقد أورد صاحب الرحلة القصائد التي هنوه بها في الطائف، ومنها قصيدة إلى نحو ثلاثين بيتا للشيخ أحمد النجار المدرس بالطائف منها:

وفود التهاني بالإياب وبالنصر ... أتت تتجلى كأس السرور مع البشر

فكيف وقد لا حت بأفق ربوعنا ... شوارق أنوار المليك بلا نكر

سليل العلى روح الكمالات ذو التقى ... حسين أخو الإحسان والحلم والبر

فأبها بكم زانت وعاد بهاؤها ... وأصبح في أرجائها يهتف القمري

...إلخ.

وقصيدة إلى نحو خمسين بيتا لقاضي الطائف الشيخ عبد الله كمال ضمنها خلاصة المعارك الواقعة في تلك الرحلة منها:

هذا هو الفتح أم نصر من الباري ... وافى لسيدنا أم ستر ستار فأهل حلى وأهل القوز ما اتعظوا ... بالنصح شهرا ولم يصغوا لتذكار

Page 249