Aḍwāʾ ʿalā al-Sunna al-Muḥammadiyya
أضواء على السنة المحمدية
تقبل روايته منهم ومن ترد ، لم يستطيعوا على كثرة ما بذلوا في هذا البحث من تعب أن يصلوا إلى ما كان ينبغى أن يبلغوه ، ولا تم لهم ما أرادوا أن يحققوه ، لان بحثهم قد جرى على قدر وسعهم وإمكانهم الانساني ، ولم يتجاوزوا الظاهر من أحوال الرواة ، ولا تثريب عليهم في ذلك ، لان الوقوف على أسرار الرجال وبواطنهم محال بل مستحيل . وفي ذلك يقول الوزير اليماني في الروض الباسم . نجد كثيرا من أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوى فيوثقونه مرة ويضعفونه مرة ! لان دخول وهمه في حيز (الكثرة) مما لا يوزن بميزان معلوم وإنما يظن ويرجع فيه إلى التحرى والاجتهاد ، فصار النظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظنية ، فلذا يكون لابن معين (1) في الراوى قولان ، التوثيق والتضعيف ونحو ذلك - والاحتراز عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن العدول ، بل العصمة (أي عصمة الرسول) لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ (أي تبليغ الوحى) فقد وهم رسول الله أنه صلى بعض الفرائض على الكمال . . فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت (2) . ومن أجل ذلك جاءت كل كتب الحديث تحمل الصحيح وغير الصحيح حتى ما كان موضوعا مكذوبا ، ولم يسلم من ذلك كتاب حتى البخاري ومسلم اللذين سموهما بالصحيحين فقد نالهما ضربات قوية من سهام الناقدين . ولما كانت هذه الكتب قد جاءت بهذه المثابة وأنها قد خلت من الاحاديث المتواترة التى تعطى اليقين بل كل ما فيها أحاديث آحاد التى لا تفيد غير الظن ، فإن علماء الامة من فقهاء وأصوليين وكلاميين لم ويأخذوا بها ، ولا تقيدوا بما فيها . وكذلك علماء النحو ، فإنهم لم يجعلوا الحديث مما يستشهدون به على اللغة والنحو بعد ما ثبت عندهم أنه لم يأت صحيح متواترا كما نطق النبي به ، وإنما جاءت روايته بالمعنى ، ومن حججهم في ذلك حديث زوجتها بما معك (3) فقد جاء بثمان صيغ على حين أنه كلمتان !
---
(1) يحيى بن معين من كبار علماء الجرح والتعديل . (2) راجع ص 81 ج 1 (3) راجع قصة هذا الحديث في صفحة 91 من هذا الكتاب . (*)
--- [ 287 ]
Page 286